الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

70

نفحات الولاية

فالإمام عليه السلام يبين البون الشاسع بين الخلق الإلهي والأعمال والأفعال التي تصدر عن المخلوقات . فالإنسان مثلًا إذا أراد أن يقوم بعمل ولم يكن لهذا العمل من سابقة وظن فكره وتأمله لينطلق إليه ، وإن كان له سابقة احتذى بتجربته وتجارب الآخرين كما يعمد إلى خزينه الذهني والفكري بشأن ترتيب مقدمات العمل بغية التوصل إلى نتائجه وكيفية أدائه ، وأحياناً يتيه في ترديده وحيرته بحيث يحكم رأيه ويقوم بالعمل على أساسه . وليس هنالك من سبيل لأي من هذه الحالات والاحتمالات للذات الإلهية المقدسة ، فما من حاجة إلى الفكر والتأمل ولا إلى التجارب السابقة ولا الحركة الفكرية استناداً إلى ترتيب المقدمات والحصول على النتائج ولا الترديد والاضطراب في الأعمال والقرارات . فليس وجود الشيء إلّاإرادته « إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » . بعبارة أخرى فان هذه الاحتمالات الأربع إنّما تتعلق بحصيلة أعمال الأفراد الذين له حظ محدود من العلم والقدرة ، ولازمة ذلك الحاجة وأفكار الآخرين وتجاربهم والشعور بالاضطراب والقلق . ولا سبيل لهذه الحالات إلى من خرج علمه وقدرته عن الحدود حين الخلق . ويتّضح بجلاء ممّا قيل أنّ المراد بالحركة في العبارة المذكورة إنّما هي حركة الفكر في باطن النفس . ولكن هناك معنى آخر ساقه بعض المفسرون للحركة على أنّ المراد بها الحركة الجسمية الخارجية التي تعدّ من لوازم الأجسام واللَّه أعظم وأجل وأسمى من الجسم والجسمانيات . ويبدو أن المعنى الأول أنسب من الثاني ؛ لأنّ الحالات الثلاث الأخرى التي وردت قبل وبعد العبارة المذكورة كلها مرتبطة باتخاذ القرار والتفكر والتأمل قبل الإتيان بالعمل . وزبدة الكلام أنّ أفعال اللَّه ليست من جنس أفعال العباد وتختلف عنها تماماً ، وذلك لأنّ

--> ( 1 ) سورة يس / 82 .